محمد سعيد رمضان البوطي
382
فقه السيرة ( البوطي )
ولقد ذكر العلماء أن جمهور المسلمين على إثبات السحر وأن له حقيقة كحقيقة غيره من الأشياء الثابتة ، ودليلة هذا الحديث ، وذكر اللّه تعالى له في كتابه ، وأنه مما يتعلم ، وذلك لا يكون إلا فيما له حقيقة ما ، وقوله سبحانه وتعالى عنه : فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [ البقرة : 102 ] والتفريق بين المرء وزوجه شيء حقيقي كما هو معروف . وقد يستشكل بعضهم هذا الذي نقول لسببين : الأول : كون السحر بحد ذاته حقيقة ثابتة ، إذ هو فيما يتوهمه البعض أمر مناف لقضية التوحيد وانحصار التأثير للّه وحده . الثاني : أن يقال إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد سحر ، فذلك مما يحط في وهمهم من منصب النبوة ويشكّك الناس فيها . والحقيقة : أنه لا إشكال في الأمر البتة ، أما الجواب عن الوهم الأول : فهو أن اعتبار السحر حقيقة ثابتة لا يعني كونه مؤثرا بذاته بل هو كقولنا السمّ له مفعول حقيقي ثابت ، والدواء له مفعول حقيقي ثابت ، فهذا كلام صحيح لا ينكر ، غير أن التأثير في هذه الأمور الثابتة إنما هو للّه تعالى ، وقد قال اللّه تعالى عن السحر : وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ البقرة : 102 ] فقد نفى اللّه عز وجل عن السحر التأثير الذاتي ، ولكنه أثبت له في نفس الوقت مفعولا ونتيجة منوطة بإذن اللّه تعالى . وأما الجواب عن الوهم الثاني : فهو إن السحر الذي أصيب به صلى اللّه عليه وسلم إنما كان متسلطا على جسده وظواهر جوارحه كما هو معروف . لا على عقله وقلبه واعتقاده . فمعاناته من آثاره كمعاناته من آثار أي مرض من الأمراض التي يتعرض لها الجسم البشري لأي كان . ومعلوم إن عصمة الرسول صلى اللّه عليه وسلم لا تستلزم سلامته من الأمراض والأمراض البشرية المختلفة . قال القاضي عياض : وأما ما جاء في الحديث من أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يخيّل إليه أنه يفعل الشيء وهو لا يفعله ، فليس في هذا ما يدخل عليه صلى اللّه عليه وسلم داخلة نقص أو عيب في شيء من تبليغه أو شريعته ، لقيام الدليل والإجماع على عصمته من هذا - أي مما يدخل أي داخلة نقص في تبليغ الشريعة - وإنما هذا فيما يجوز طرّوه من أمور الدنيا التي لم يبعث بسببها ولا فضّل من أجلها ، وهو فيها عرضة للآفات كسائر البشر ، فغير بعيد أن يخيل إليه من أمورها ما لا حقيقة له ثم ينجلي عنه كما حصل « 1 » .
--> ( 1 ) شرح الشفاء للقاضي عياض : 4 / 278 ، 279 ، وانظر أيضا شرح النووي على مسلم : 14 / 174 .